الفيض الكاشاني

259

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

معيّن ، إمّا حيّ أو ميّت ، ومن الغيبة أن تقول : بعض من مرّ بنا اليوم أو بعض من رأيناه ، إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معيّنا لأنّ المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم ، فأمّا إذا لم يفهم عينه جاز ، كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا كره من إنسان شيئا قال : « ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا » ( 1 ) وكان لا يعيّن . فقولك : بعض من قدم من السفر وبعض من يدّعي العلم إذا كان معه قرينة تفهم عين الشخص فهو غيبة ، وأخبث أنواع الغيبة غيبة القرّاء المرائين فإنّهم يفهمون المقصود على صنيعة أهل الصلاح ليظهروا من أنفسهم التعفّف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنّهم جمعوا بين فاحشتين الرّياء والغيبة ، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد اللَّه الَّذي لم يبتلنا بالدّخول على السلطان والتبذّل في طلب الحطام ، أو يقول : نعوذ باللَّه من قلَّة الحياء نسأل اللَّه أن يعصمنا منها وإنّما قصده أن يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدّعاء ، وكذلك قد يقدّم مدح من يريد غيبته فيقول : ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما يبتلى به كلَّنا وهو قلَّة الصبر ، فيذكر نفسه ومقصوده أنّ يذمّ غيره ويمدح نفسه بالتشبّه بالصالحين في ذمّ أنفسهم فيكون مغتابا ومرائيا ومزكَّيا نفسه ويجمع بين ثلاث فواحش وهو يظنّ بجهله أنّه من الصالحين المتعفّفين عن الغيبة وكذلك يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعبادات من غير علم فإنّه يتعبهم ويحبط بمكائده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم ، ومن ذلك يذكر عيب إنسان فلا يتنبّه له بعض الحاضرين فيقول سبحان اللَّه ما أعجب هذا حتّى يصغى إلى المغتاب ويعلم ما يقوله فيذكر اللَّه ويستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه وهو يمنّ على اللَّه بذكره جهلا منه وغرورا وكذلك يقول لقد ساءني ما جرى على صديقنا فلان من الاستخفاف فنسأل اللَّه أن يروّح سرّه ويكون كاذبا في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدّعاء له ، بل لو قصد الدّعاء لأخفاه في خلوة عقيب صلاته ولو كان يغتمّ به لاغتمّ أيضا بإظهار ما يكرهه ، وكذلك يقول : ذلك المسكين قد بلي بآفة عظيمة تاب اللَّه علينا وعليه ، فهو في

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 550 من حديث عائشة .